ملا محمد مهدي النراقي

190

انيس المجتهدين في علم الأصول

وأمثالها « 1 » ، مع أنّه قد ورد بعض النصوص عن أئمّتنا عليهم السّلام بأنّ القرآن نزل على حرف واحد ، وكذب من زعم أنّه نزل على سبعة أحرف ، والاختلاف إنّما جاء من قبل الرواة « 2 » . ويمكن الجواب : بأنّه لمّا ثبت تواتر القرآن ، ووصل إلينا باعتبار اختلاف الرواة القراءات السبع على نهج واحد من حيث الشهرة ، ولا يمكن تخصيص واحدة منها بالتواتر والحجّيّة ، وإلّا لزم الترجيح بلا مرجّح ، فحكم بتواتر السبع وحجّيّتها وإن لم يكن النازل من عند اللّه إلّا قراءة واحدة ، وتقرير الأئمّة وأمرهم بها لأجل هذا ، وعدم إظهارهم ما هو الحقّ للتقيّة ، والغرض أنّه ثبت تواتر القرآن وحجّيّته ، ويعلم أنّه نزل بقراءة واحدة ، إلّا أنّه وقع الاختلاف في نقله لأسباب نذكرها ، فنقلوه لنا على النحو المذكور ، فيمكن أن يكون واحدة منها حجّة ، ويمكن أن يكون بعض من كلّ واحدة منها حجّة ، إلّا أنّ ذلك ليس بمعلوم لنا . فيلزم إمّا القول بعدم التواتر والحجّيّة مطلقا ، أو بالترجيح بلا مرجّح ، أو حجّيّة القراءات السبع وتواترها . والأوّلان باطلان ضرورة ؛ فالأخير حقّ . ثمّ المخالف للمشهور صاحب الكشّاف من العامّة « 3 » ، وابن طاوس « 4 » ، ونجم الأئمّة « 5 » من أصحابنا ؛ فإنّهم حكموا بعدم تواتر القراءات السبع وحجّيّتها . ويمكن أن يحتجّ له بمنع تواترها ؛ لأنّ القوم صرّحوا بأنّ لكلّ قار من القرّاء السبعة راويين ، وقولهما لا يفيد العلم ، مع أنّ شرط ثبوت التواتر استواء الطرفين والوسط في إفادة العلم ، فحصول التواتر - لو سلّم - إنّما هو في الطبقة اللاحقة لا الأولى ، وهو غير كاف . ولو سلّم تواترها عن القرّاء السبعة ، فلا نسلّم حجّيّتها وجواز العمل بها ؛ لأنّهم كانوا من أهل الخلاف استبدّوا بآرائهم ، وتصرّفوا في القرآن بمجرّد الاستحسان من غير استناد إلى

--> ( 1 ) . فسّرها بذلك ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر 1 : 369 ، « ح ر ف » . ( 2 ) . الكافي 2 : 630 ، باب النوادر ، ح 12 و 13 . ( 3 ) . قال في الكشّاف 2 : 69 - 70 في ذيل تفسير قوله تعالى : وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ : « والذي حمله . . . » حيث يدلّ على أنّ قراءة ابن عامر كانت رأيا منه ، والصواب والصحيح خلافه ، وهذا إنكار تواتر القراءات السبع . ( 4 ) . انظر سعد السعود : 362 - 363 . ( 5 ) . قال في شرحه على الكافية 2 : 336 : « لا نسلّم تواتر القراءات السبع » .